يتناول تقرير واقع النساء في العراق والتحديات المتزايدة التي تواجه مشاركتهن في الفضاء العام، بما في ذلك حملات التشهير الرقمي والضغوط الاجتماعية والتشريعية. ويرصد التقرير تأثير هذه الممارسات على الصحافيات والناشطات والمرشحات، ويحلل الفجوة بين الإطار القانوني وواقع الحماية الفعلية لحقوق النساء.
قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، إن العراق يشهد تراجعاً هو الأخطر منذ عقود في ملف الحقوق والحريات الأساسية، حيث تُقاد حملة ممنهجة تقف خلفها جهات سياسية ومجاميع مسلحة تهدف إلى "تصفية" الوجود النسوي الفاعل من المجال العام.
قال المرصد أيضاً، إن ما يجري ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل هو إستراتيجية إزاحة متكاملة الأركان تستخدم التحريض الرقمي كتمهيد للاغتيال الجسدي أو الإقصاء الاجتماعي القسري.
شهد وضع المرأة في العراق خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة ارتبطت بالتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مر بها البلد. ورغم أن النساء العراقيات كنّ حاضرات تاريخياً في مجالات التعليم والعمل والحياة العامة، فإن السنوات الماضية أظهرت تحديات متزايدة تتعلق بقدرة المرأة على الاستمرار في هذا الحضور، خصوصاً في الفضاء العام الذي يشمل العمل السياسي والإعلامي والنشاط المدني.
وفي الوقت الذي ينص فيه الدستور العراقي على مبدأ المساواة بين المواطنين ويضمن للنساء تمثيلاً سياسياً من خلال نظام الكوتا، فإن الواقع الاجتماعي والسياسي يكشف عن فجوة واضحة بين الإطار القانوني والممارسة الفعلية.
قبل عام 2003، ورغم القيود السياسية التي كانت مفروضة على المجتمع بشكل عام، تمكنت النساء في العراق من تحقيق حضور ملحوظ في مجالات التعليم والعمل الحكومي. فقد ارتفعت معدلات تعليم النساء بشكل كبير منذ سبعينيات القرن الماضي، وشاركت أعداد كبيرة منهن في قطاعات مثل التعليم والطب والإدارة العامة. وكانت المدن العراقية الكبرى تشهد حضوراً نسوياً واضحاً في الجامعات والمؤسسات الحكومية، كما ظهرت منظمات اجتماعية وثقافية ساهمت في تعزيز دور المرأة في المجتمع.
لكن سلسلة الحروب التي شهدها العراق ابتداءً من الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم حرب الخليج والعقوبات الاقتصادية في تسعينيات القرن الماضي، تركت آثاراً عميقة على بنية المجتمع العراقي. فقد أدت هذه الظروف إلى تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر، كما تسببت في تغيرات اجتماعية أعادت إنتاج أدوار تقليدية للنساء. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية، اعتمدت العديد من الأسر على استراتيجيات اجتماعية أكثر محافظة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وهو ما انعكس تدريجياً على حضور المرأة في المجال العام.
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة اتسمت بقدر أكبر من التعددية السياسية، وجرى تضمين مبدأ المساواة بين الجنسين في الدستور، كما تم اعتماد نظام الكوتا الذي يضمن للنساء نسبة لا تقل عن 25 في المئة من مقاعد البرلمان.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع عدد النساء في المؤسسات التشريعية، إلا أن هذا التمثيل لم يترجم دائماً إلى تأثير فعلي في عملية صنع القرار. فالكثير من النساء اللواتي وصلن إلى البرلمان أو المجالس المحلية واجهن تحديات تتعلق بطبيعة النظام الحزبي الذي يهيمن على الحياة السياسية، حيث تظل مواقع القرار الرئيسية داخل الأحزاب محصورة غالباً بالقيادات الذكورية.
في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بمحاولات تقليص حضور النساء في الفضاء العام. هذه المحاولات لا تظهر غالباً عبر قوانين رسمية أو قرارات حكومية مباشرة، بل تتجسد في ممارسات اجتماعية وثقافية وإعلامية تسعى إلى خلق بيئة غير مريحة أو غير آمنة للنساء اللواتي يشاركن في العمل العام.
ويظهر ذلك بشكل واضح في الحملات التي تستهدف النساء الناشطات أو الصحفيات أو المرشحات للانتخابات، حيث تتعرض كثير من هؤلاء النساء لحملات تشهير على منصات التواصل الاجتماعي تتضمن التشكيك بسمعتهن الشخصية أو نشر شائعات تتعلق بحياتهن الخاصة.
تُعد هذه الحملات من أكثر الأدوات تأثيراً في محاولة دفع النساء إلى الانسحاب من المجال العام، لأنها تستند إلى منظومة اجتماعية تعتبر السمعة الشخصية للمرأة عنصراً حساساً في تقييم دورها الاجتماعي. وعندما يتم استهداف امرأة عاملة في المجال العام بحملات تشهير أو إساءة، فإن التأثير لا يقتصر عليها وحدها، بل يمتد في كثير من الأحيان إلى عائلتها وبيئتها الاجتماعية، الأمر الذي يخلق ضغطاً مضاعفاً قد يدفع بعض النساء إلى تقليل ظهورهن الإعلامي أو الانسحاب من النشاط العام.
إلى جانب حملات التشهير، يلعب الخطاب الاجتماعي المحافظ دوراً مهماً في تقليص مساحة حضور المرأة في الفضاء العام. ففي بعض السياقات يتم تصوير العمل السياسي أو الإعلامي للمرأة على أنه يتعارض مع الأدوار التقليدية التي يفترض أن تؤديها داخل الأسرة. وغالباً ما يتم استخدام مفاهيم الشرف والسمعة لتقييد حركة النساء أو للتشكيك في دوافع مشاركتهن في الحياة العامة. هذا النوع من الخطاب لا يكون دائماً صريحاً، لكنه يتكرر في النقاشات العامة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض الخطابات الدينية أو السياسية، ما يخلق بيئة ثقافية تضغط باتجاه تقليل مشاركة النساء في الشأن العام.
كما تواجه النساء اللواتي يعملن في المجال العام أشكالاً مختلفة من المضايقات والتهديدات. ففي بعض الحالات تتعرض ناشطات أو صحفيات لرسائل تهديد أو مضايقات عبر الإنترنت، وقد تصل هذه المضايقات أحياناً إلى مستوى التحرش أو الابتزاز الإلكتروني. وعلى الرغم من أن هذه الممارسات لا تظهر دائماً في العلن، فإنها تشكل عاملاً مهماً في خلق شعور بعدم الأمان لدى النساء اللواتي يفكرن في الانخراط في العمل العام.
كما أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى فتح فضاء جديد للنقاش العام في العراق، وهو ما أتاح للعديد من النساء فرصة التعبير عن آرائهن والمشاركة في النقاشات العامة. وقد ظهرت خلال السنوات الماضية أصوات نسوية بارزة على المنصات الرقمية تناقش قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية. لكن هذا الفضاء الرقمي نفسه أصبح أيضاً ساحة لصراعات حادة، حيث تتعرض بعض النساء لحملات تنمر أو إساءة منظمة، الأمر الذي يعكس التوتر القائم في المجتمع حول دور المرأة في المجال العام.
في مواجهة هذه التحديات، تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في دعم النساء وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة. فقد عملت العديد من المنظمات على تنظيم برامج تدريبية تهدف إلى تمكين النساء سياسيًا واجتماعيًا، كما ساهمت في توثيق الانتهاكات التي تتعرض لها النساء الناشطات والصحفيات. وتقوم بعض هذه المنظمات أيضًا بحملات توعية تهدف إلى تعزيز مفهوم المساواة بين الجنسين وتشجيع المجتمع على قبول دور أكبر للنساء في الحياة العامة.
في المقابل، تسعى قوى راديكالية مهيمنة إلى حصر دور المرأة في أطر تقليدية ضيقة، مستهدفةً كل صوت نسوي يمتلك الجرأة على النقد أو المشاركة في صنع القرار. يتم ذلك عبر خلق بيئة "طاردة" في الصحافة والسياسة والعمل المدني، حيث يُستخدم "التسقيط الأخلاقي" وسيلةً لكسر إرادة النساء وتشويه صورتهن أمام الرأي العام، مما أدى إلى انكفاء الكثير من الكفاءات النسوية خوفاً من "الوصمة الاجتماعية" المفتعلة التي تُدار بجيوش إلكترونية ممولة.
وثق المرصد العراقي لحقوق الإنسان شهادة مراسلة ميدانية تعرضت لتهديد مباشر من "حزب سياسي نافذ" بعد كشفها تفاهمات سياسية حساسة. قالت في شهادتها: "لم يكن مجرد نقد لعملي، بل كان محاولة لسحقي كإنسانة. بعد نشري تقريراً عن صفقات تشكيل الحكومة، استيقظتُ على تهديدات عبر الواتساب".
"هددوني بكل شيء، وكل رسائلهم الموثقة لديّ تقول إنني إذا لم أصمت، فسيكون الثمن عملي" قالت المراسلة الميدانية.
قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن الدورة البرلمانية الحالية تتسم بنهج "راديكالي" يسعى لتقويض المبادئ المدنية للدستور العراقي. وبدلاً من تشريع قوانين ضامنة للحريات، انشغل البرلمان السابق بمشاريع قوانين تكرس الهيمنة الأيديولوجية؛ مثل تعديل "قانون مكافحة البغاء" الفضفاض وتعديلات قانون الأحوال الشخصية.
هذا التوجه التشريعي لا يهدف لتنظيم المجتمع، بل لتوفير غطاء قانوني لملاحقة الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان بتهم مطاطية تتعلق بـ "مخالفة القيم"، وهذه سلوكيات تجعل المؤسسة التشريعية طرفاً في عملية ترهيب النساء بدلاً من حمايتهن.
شهدت الانتخابات الأخيرة في العراق ذروة استخدام "سلاح السمعة" لإزاحة المنافسات النسويات. ففي ظل صراع القوى، تم توظيف الجيوش الإلكترونية لاستهداف المرشحات المستقلات أو الليبراليات بشكل منظم. تروي مرشحة تجربتها خلال شهادة للمرصد العراقي لحقوق الإنسان.
قالت المرشحة: "دخلتُ السباق الانتخابي الأخير بإيمان كامل بالتغيير، لكنني واجهتُ (إرهاباً انتخابياً) لم أتخيله. لم يهاجم الخصوم برنامجي السياسي أو كفاءتي الإدارية، بل ركزوا كل جهودهم على اغتيالي معنوياً. سقطوا بي بشكل كبير. كان الهدف هو تدميري اجتماعياً ونفسياً أمام جمهوري وعائلتي لأنسحب من السباق قسراً".
بالإضافة إلى ذلك، يواجه العاملون والعاملات في المجتمع المدني العراقي خطر "التخوين" المستمر. الناشطات اللواتي يتصدرن الدفاع عن حقوق المرأة يتعرضن لحملات تشويه تتهمهن بـ "تنفيذ أجندات خارجية" أو "العمل مع السفارات". هذا الخطاب التحريضي دعوة مبطنة للاعتداء الجسدي، كما حدث مع الناشطة ينار محمد التي سُبقت عملية اغتيالها في آذار/مارس 2026 بحملات "شيطنة" واسعة النطاق.
قالت شمس اللجماوي، مساعدة رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن "المتصديات والناشطات والنساء البارزات في العراق يعشن اليوم في حقل ألغام رقمي وواقعي. إن حملات التشهير في (السوشيال ميديا) ضد النساء اللاتي يطالبن بالحقوق والحريات، أو اللاتي ينتقدن تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي حملات ممولة ومنظمة تهدف لترهيب المجتمع النسوي بالكامل".
قالت أيضاً إن "تحول العمل الصحافي والحقوقي إلى مواجهة مع أحزاب متنفذة تملك جيوشاً إلكترونية يضع حياة النساء في خطر حقيقي، ونحن في المرصد نؤكد أن حمايتهن من هذا الإرهاب الفكري هو واجب قانوني يقع على عاتق السلطات الأمنية والقضائية قبل أن يتحول التحريض إلى رصاص جديد".
لم تجد الكثير من المدافعات عن حقوق الإنسان خياراً سوى الرحيل؛ حيث وثق المرصد شهادة ناشطة بارزة اضطرت لمغادرة العراق باتجاه دولة مجاورة نتيجة التحريض.
قالت خلال شهادتها للمرصد العراقي لحقوق الإنسان: "حين بدأ التحريض ضدي نتيجة دفاعي العلني عن حقوق المرأة ورفضي لتعديلات قانون الأحوال الشخصية، لم أتوقع أن يتحول الفضاء الرقمي إلى زنزانة تحيط ببيتي. بدأت الرسائل بشتائم نابية وانتهت بتسقيط كبيرة".
قالت أيضاً: "شعرتُ أن الأرض تهتز تحت قدمي، وأن الدولة التي كان من المفترض أن تحميني هي التي تمنح المحرضين الضوء الأخضر. لم أجد خياراً سوى حزم حقائبي ومغادرة العراق تاركةً خلفي أحلامي وعملي الميداني. الهجرة من أجل البقاء ليس سهلاً، لكن البقاء في العراق كحقوقية بارزة أصبح يعني انتظار الموت أو الفضيحة المفبركة في كل لحظة".
يحلل المرصد إصرار البرلمان على تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 في عام 2025 بأنه محاولة لتقنين "اضطهاد المرأة". فمن خلال شرعنة الزيجات خارج المحاكم وسلب حقوق الحضانة والميراث، يتم تجريد المرأة من حمايتها القانونية المدنية. وفي المقابل، يرفض البرلمان عمداً تشريع "قانون الحماية من العنف الأسري"، مما يترك آلاف النساء في مواجهة القتل والضرب دون ملاذ قانوني، وهو ما يفسره المرصد بأنه رغبة سياسية في إبقاء الأسرة تحت سلطة عرفية وراديكالية بعيداً عن رقابة الدولة.
قالت عبير الحديثي، عضو المرصد العراقي لحقوق الإنسان والمتخصصة في قضايا العنف ضد المرأة إن "ما تتعرض له النساء العراقيات في الفضاء الرقمي خلال الفترة الأخيرة يعكس تصاعداً مقلقاً في حملات التشهير والتسقيط. المرصد وثّق حالات منظمة تضمنت صوراً مفبركة وطعناً في السمعة، وهي شكل من أشكال العنف الرقمي الذي قد يتحول لتهديدات حقيقية تمس حياة النساء".
قالت أيضاً إن "استمرار هذه الحملات دون مساءلة قانونية يشجع على تكرارها، ونؤكد أن حماية النساء من العنف الرقمي تمثل جزءاً أساسياً من حماية حرية التعبير وحقوق الإنسان في العراق، وندعو لتبني سياسات قانونية واضحة لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية".