هذا بيان موجه إلى المُكلف بتشكيل الحكومة، علي الزيدي؛ يحذره المرصد العراقي لحقوق الإنسان من حصر برنامجه في المحاصصة. الاختبار الحقيقي يكمن في كشف قتلة المتظاهرين، وحسم ملف المغيبين، وإنهاء الإفلات من العقاب. إن بناء الشرعية يبدأ بضمان كرامة العراقيين وحرياتهم، وفتح السجون للرقابة، ومراجعة القوانين القمعية، بعيداً عن الوعود المؤجلة التي أرهقت ثقة المواطن بالدولة.
28 نيسان 2026
قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة يضعه أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في تاريخ العراق الحديث، في ظل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة. وبينما تنشغل القوى السياسية عادةً بتقاسم المناصب ورسم التوازنات، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للعراقيين: هل ستكون حقوق الإنسان هذه المرة ضمن أولويات الحكومة، أم ستبقى مجرد عناوين تُذكر في البيانات الرسمية وتُغيّب عند التطبيق؟
قال المرصد أيضاً، إن أي برنامج حكومي لا يضع حماية الإنسان العراقي وكرامته وحرياته في صلب أولوياته، سيكون برنامجاً عاجزاً عن إحداث تغيير حقيقي، مهما حمل من وعود سياسية أو اقتصادية. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها، أو تتسامح مع الانتهاكات بحقهم، تفقد تدريجياً مشروعيتها وثقة الناس بها.
وأكد المرصد أن علي الزيدي، بوصفه مُكلّفاً بتشكيل الحكومة ومنحدراً من خلفية حقوقية، مطالب اليوم بإثبات أن العدالة ليست مجرد خطاب سياسي أو تاريخ شخصي يُستحضر عند الحاجة، بل سياسة دولة وإرادة حقيقية قادرة على مواجهة مراكز النفوذ التي عطّلت القانون لسنوات طويلة. فالعراقيون لا ينتظرون حكومة جديدة بالأسماء فقط، بل ينتظرون تغييراً في طريقة إدارة الدولة وتعاملها مع الإنسان.
وأشار المرصد إلى أن أول اختبار حقيقي للحكومة المقبلة يبدأ من ملف قتلة المتظاهرين والناشطين والصحافيين، وهو الملف الذي تحوّل خلال السنوات الماضية إلى رمز صارخ لعجز الدولة أمام السلاح والنفوذ السياسي. إن استمرار هذا الملف بلا محاسبة لا يعني فقط غياب العدالة، بل يبعث رسالة خطيرة مفادها أن قتل المواطنين يمكن أن يمر بلا عقاب، وأن الدولة غير قادرة أو غير راغبة في حماية أبنائها.
وشدد المرصد على أن عائلات الضحايا لم تعد تقبل باللجان المؤقتة أو الوعود الفضفاضة أو البيانات التي تُصدر تحت ضغط الرأي العام ثم تُنسى لاحقاً. المطلوب اليوم إجراءات واضحة ومعلنة، تبدأ بكشف نتائج التحقيقات الحقيقية، ومحاسبة المسؤولين المباشرين ومن وفر لهم الغطاء السياسي أو الأمني، وصولاً إلى إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي تحولت إلى أحد أخطر أسباب انهيار الثقة بالدولة.
أكد المرصد أيضاً، أن ملف المغيبين والإخفاء القسري يمثل جرحاً مفتوحاً في الوعي العراقي، ولا يمكن لأي حكومة تدّعي احترام الدستور والقانون أن تستمر في تجاهله أو التعامل معه كعبء سياسي حساس. آلاف العائلات ما تزال حتى اليوم تبحث عن إجابات، فيما تلتزم مؤسسات الدولة الصمت أو تكتفي بإجراءات شكلية لا ترتقي إلى حجم الكارثة الإنسانية.
وأضاف المرصد أن الحكومة المقبلة مطالبة بامتلاك الشجاعة السياسية لمواجهة هذا الملف بعيداً عن الحسابات الحزبية ونفوذ الجماعات المسلحة، من خلال الاعتراف الرسمي بحجم الانتهاكات، وكشف مصير المغيبين، وضمان محاسبة المتورطين، لأن تجاهل هذه القضية لا يعني سوى تكريس الخوف وتعميق شعور المواطنين بانعدام العدالة.
وفي ما يتعلق بالحريات العامة، حذر المرصد من استمرار استخدام الأجهزة الأمنية والقوانين الفضفاضة كوسائل لإسكات الأصوات الناقدة وملاحقة الصحافيين والنشطاء وأصحاب الرأي. وأكد أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحول إلى واقع حقيقي في ظل بيئة يخشى فيها المواطن من التعبير عن رأيه أو انتقاد السلطة أو كشف الفساد.
وأشار المرصد إلى أن السنوات الماضية شهدت تصاعداً خطيراً في القيود المفروضة على حرية التعبير، سواء عبر الدعاوى القضائية أو حملات التشهير أو الترهيب الأمني، الأمر الذي خلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية. ولذلك فإن الحكومة الجديدة مطالبة بإثبات التزامها بالحريات عبر مراجعة التشريعات المقيدة، ومنع استخدام مؤسسات الدولة كأدوات للضغط على الإعلام والمجتمع المدني.
كما دعا المرصد إلى فتح ملف السجون ومراكز الاحتجاز بجدية ومسؤولية، في ظل استمرار التقارير المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة والاعتقال خارج السياقات القانونية، مؤكداً أن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن أي حديث عن الإصلاح يفقد قيمته عندما تتحول أماكن الاحتجاز إلى مساحات معزولة عن الرقابة والمحاسبة.
وأكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن الحكومة المقبلة ستكون أمام اختبار يومي يتعلق بمدى احترامها للدستور والحقوق الأساسية، وليس أمام فرصة لتحسين صورتها الإعلامية فقط. فالعراقيون سئموا من الوعود المؤجلة والشعارات التي تُرفع مع كل تغيير حكومي ثم تختفي عند أول مواجهة مع القوى المتنفذة.
كما سيتابع المرصد ويراقب أداء الحكومة المقبلة بمهنية واستقلالية، وسيقيّمها انطلاقاً من مدى التزامها الفعلي بحماية حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون، لأن بناء دولة مستقرة وعادلة لا يبدأ من الصفقات السياسية، بل من احترام الإنسان العراقي وحقه في العدالة والأمان والكرامة.