الصحافية ندى سلطان
أمس, 14:03



ندى سلطان

عضو مجلس الحقوق والحريات

 

منذ عام 2003، شهد العراق محاولات متكررة لإرساء بيئة أكثر أماناً لحرية الصحافة والتعبير، بعضها كان جاداً ويسعى لبناء مساحة حقيقية تحمي الكلمة الحرة، وبعضها الآخر بقي مجرد شعارات لم تنعكس على الواقع. وبين هذا وذاك، ظل الصحفيون والناشطون والمدونون يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بحقهم في التعبير، وفي القدرة على ممارسة دورهم دون خوف أو تهديد أو حملات تشويه منظمة.


في المؤتمر الأخير الذي خُصص لإطلاق “مجلس الحقوق والحريات” برعاية المرصد العراقي لحقوق الإنسان، بدا المشهد مختلفاً هذه المرة. ما يقارب مئة شخصية من صحفيين وحقوقيين وناشطين وممثلي منظمات مجتمع مدني ومدونين من محافظات عراقية عدة، اجتمعوا تحت سقف واحد رغم اختلافاتهم الفكرية والسياسية والثقافية. لم يكن الاتفاق قائماً على الانتماءات أو الرؤى المشتركة، بل على مبدأ أكثر عمقاً وأهمية: ضرورة وجود مساحة آمنة للتعبير، تضمن لكل شخص حقه في إبداء رأيه دون خوف من الترهيب أو الاستهداف.


النقاشات التي شهدها الاجتماع اتسمت بقدر كبير من الصراحة والجرأة، وتجاوزت السقف التقليدي الذي اعتادت عليه المؤتمرات والحوارات العامة في العراق. طُرحت مخاوف حقيقية بشأن مستقبل الحريات والحقوق المدنية، كما فُتحت ملفات حساسة تتعلق بحماية الصحفيين والمدونين، وآليات التصدي لمحاولات تكميم الأفواه. هذا المناخ شجّع الحاضرين على المشاركة بحرية، وكسر حالة الصمت التي فرضتها سنوات من التخويف والاستهداف.


وفي المقابل، لم يكن مفاجئاً أن تواجه هذه الخطوة منذ بدايتها حملات هجوم وتحريض من صفحات إلكترونية وجهات اعتادت مهاجمة أي مشروع يسعى إلى توسيع مساحة الحريات. فوجود جسم مدني يدافع عن حق الصحفي والناشط في التعبير، ويوفر مظلة تضامن قانونية وحقوقية، يُنظر إليه باعتباره تهديداً مباشراً لمنظومات الفساد والقمع التي تخشى النقد وكشف الحقائق أمام الرأي العام.


الهجمات التي طالت المجلس والحاضرين فيه لم تكن مجرد اختلافات في الرأي، بل حملات منظمة استخدمت فيها لغة التخوين والإساءة والتشهير، في محاولة لإضعاف المبادرة وإحباط القائمين عليها. إلا أن هذه الحملات كشفت، في الوقت نفسه، حجم القلق الذي يثيره أي حراك مدني مستقل يسعى للدفاع عن حرية التعبير والحقوق المدنية في العراق.


ورغم كل ذلك، يمضي مجلس الحقوق والحريات، الذي أُطلق برعاية المرصد العراقي لحقوق الإنسان، في بناء مساره معتمداً على جهود مجموعة من الشباب والناشطين والمؤمنين بالدولة المدنية والعدالة وحق الناس في الكلام بحرية. فالمجلس لا يقدم نفسه بوصفه جهة سياسية أو أيديولوجية، بل مساحة جامعة للدفاع عن الحقوق والحريات، والعمل من أجل بيئة صحفية ومدنية أكثر أماناً واستقلالاً.


إن إطلاق مجلس الحقوق والحريات برعاية المرصد العراقي لحقوق الإنسان يمثل خطوة مهمة في سياق طويل من النضال المدني والحقوقي في العراق، ومحاولة لإعادة الاعتبار لقيمة الحوار، وحق الاختلاف، وحرية الرأي. كما يعكس إيماناً بأن المجتمعات لا يمكن أن تتطور من دون حماية الكلمة الحرة، وفتح المجال أمام النقاش المسؤول، وبناء فضاء عام يتسع للجميع، بعيداً عن الترهيب والكراهية والإقصاء.